الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
281
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسمّى بالتصديق عند المناطقة ، وقيل : أرادوا لو نحسن القتال لاتّبعناكم ، فالعلم بمعنى المعرفة ، وقولهم حينئذ تهكّم وتعذّر . ومعنى هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أنّ ما يشاهد من حالهم يومئذ أقرب دلالة على أنهم يبطنون الكفر من دلالة أقوالهم : إنّا مسلمون ، واعتذارهم بقولهم : لو نعلم قتالا لاتّبعناكم . أي إنّ عذرهم ظاهر الكذب ، وإرادة تفشيل المسلمين ، والقرب مجاز في ظهور الكفر عليهم . ويتعلّق كلّ من المجرورين في قوله : مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ بقوله : أَقْرَبُ لأنّ أَقْرَبُ تفضيل يقتضي فاضلا ومفضولا ، فلا يقع لبس في تعلّق مجرورين به لأنّ السامع يردّ كل مجرور إلى بعض معنى التفضيل . وقوله : يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ استئناف لبيان مغزى هذا الاقتراب ، لأنّهم يبدون من حالهم أنّهم مؤمنون ، فكيف جعلوا إلى الكفر أقرب ، فقيل : إنّ الذي يبدونه ليس موافقا لما في قلوبهم ، وفي هذا الاستئناف ما يمنع أن يكون المراد من الكفر في قوله : هُمْ لِلْكُفْرِ أهل الكفر . وقوله : الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ بدل من الَّذِينَ نافَقُوا ، أو صفة له ، إذا كان مضمون صلته أشهر عند السامعين ، إذ لعلّهم عرفوا من قبل بقولهم فيما تقدّم لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا فذكر هنا وصفا لهم ليتميّزوا كمال تمييز . واللام في ( لإخوانهم ) للتعليل وليست للتعدية ، قالوا : كما هي في قوله : وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ [ آل عمران : 156 ] . والمراد بالإخوان هنا عين المراد هناك ، وهم الخزرج الذين قتلوا يوم أحد ، وهم من جلّة المؤمنين . وجملة وَقَعَدُوا حال معترضة ، ومعنى لو أطاعونا أي امتثلوا إشارتنا في عدم الخروج إلى أحد ، وفعلوا كما فعلنا ، وقرأ الجمهور : ما قتلوا - بتخفيف التاء - من القتل . وقرأه هشام عن ابن عامر - بتشديد التاء - من التقتيل للمبالغة في القتل ، وهو يفيد معنى تفظيعهم ما أصاب إخوانهم من القتل طعنا في طاعتهم النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي ادرءوه عند حلوله ، فإنّ من لم يمت بالسيف مات بغيره أي : إن كنتم صادقين في أنّ سبب موت إخوانكم هو